الشيخ محمد هادي معرفة
88
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الثالثة : أن يكون موافقا للأقيسة الإعرابية ، فلا يخالفها في تصريف ولا إعراب ، فيجب إعلال الكلمة على القوانين الجارية في علم الإعراب فلا يقال في « قام » قوَمَ ، ولا في « قائم » قاومٌ ، وإن كان أصلًا ، ولا يقال « الحمدُ للّه العليّ الأجلل » وإن كان هو الأصل ، بل يجب إجزاء ذلك على الإعلال والإدغام ، وإلّا كان خارجا عن الفصيح من الكلام ، وقد قرّرنا شرح هذه القاعدة في أوّل الكتاب فأغنى عن الإعادة ، فإذا تمهّدت هذه القاعدة ، فإنّك إذا تحقّقت الألفاظ الواردة في هذه الآية وجدتها سالمة عن التنافر في بنائها ، عربية مألوفة جارية على الأقيسة المطّردة في الإعراب والتصريف ، بعيدة عن الغرابة ، سليمة عن العُنجهانية ، تُشبه العسلَ في الحلاوة ، والماء في الرقّة والسلاسة ، وكالنسيم في السهولة ، لا تَنبو عن قبولها الأذهان ، ولا تَمُجُّها الآذان . البحث الرابع في بيان موقعها من الفصاحة المعنوية . اعلم أنّ الفصاحة المعنوية هي غايةُ علم المعاني ، والفصاحةُ المعنوية المرادُ بها البلاغة ، وهي من عوارض المعاني ، وهي متضمّنة للفصاحة اللفظية ، ولهذا فإنّ الكلام البليغ لا يكون بليغا إلّا مع إحرازه للفصاحة ، فهي في الحقيقة راجعة إلى المعنى واللفظ جميعا ، ولها طرفان : أعلى ، وهو مايبلغ به الكلامُ حدَّ الإعجاز ، وأدنى ، وهو الذي يُقدَّرُ فيه أنّه إذا أزيل عن نظامه الذي الف عليه التحقَ بالكلام الركيك ، فلم تخف عليك غَثاثتُه ، وبين هذين الطرفين مزايا ومراتبُ ودرجاتٌ متفاوتة . فإذا عرفت هذا وفكّرت في نظام هذه الآية ، وجدتَها قد الِّفت على أتمّ تأليف ، وادّيت على أعجب نظام ، ملخّصةً معانيها ، مرصوفةً مبانيها ، لايَعثُر اللسان في ألفاظها ، ولا يغمض على الفكر طلبُ المراد منها ، فإذا خرقَت قراطيس الأسماع وجدتَها تُسابق معانيها ألفاظَها ، وألفاظُها معانيها ، لا تحتاج لوضوحها إلى ترجمان ، ولا يملُّ سامعها وإن تكرّرت في كلّ ساعة وأوان ، فهذا ماسنح لي في هذه الآية من علوم الفصاحة ، والبلاغة ، والعلوم المعنوية ، والعلوم البيانية .